ابن عربي

513

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

عذابهم ، كل ذلك تقاسيه نفوسهم ، فإنه قد زالت الحياة من جوارحهم ، فهم ينضجون كما ينضج اللحم في القدر ؛ أتراه يحس بذلك ؟ بل له نعيم به إذا كان ثمّ حياة يجعل اللّه في ذلك نعيما ، وإلا ما تحمله النفوس كشخص يرى بعينه نهب ماله وخراب ملكه وإهانته ؛ فالملك مستريح بيد من صار إليه ، والأمير يعذب بخرابه وإن كان بدنه سالما من العلل والأمراض الحسية . ولكن هو أشد الناس عذابا ، حتى إنه يتمنى الموت ولا يرى ما رآه ، فنضج الجلود سبب في عذاب النفس المكلفة ، والجلد متنعم في ذلك العذاب المحسوس ، لما كانت الجلود من الشهود العدول عند اللّه ، والتبديل لذوق العذاب كما تبدلت الأحوال عليهم في الدنيا بأنواع المخالفات ، فلكل نوع عذاب ولهم جلد خاص يحسّ بالألم كما كان هنا دائما في تجديد . فإذا انتهى زمان المخالفة المعينة ، انتهى نضج الجلد . فإن شرع عند انتهاء المخالفة في مخالفة أخرى ، أعقب النضج تبديلا آخر ليذوق العذاب كما ذاق اللذة بالمخالفة . وإن تصرف بين المخالفتين بمكارم خلق ، استراح بين النضج والتبديل بقدر ذلك ، فهم على طبقات في العذاب في جهنم . ومن أوصل المخالفات ومذام الأخلاق بعضها ببعض فهم الذين لا يفترّ عنهم العذاب ، فإن العذاب المستصحب أهون من العذاب المجدد . فيذوقون العذاب مستصحبا إلى أن تنضج الجلود ، وحينئذ يتجدد عليهم بالتبديل عذاب جديد ، فرحمهم اللّه باستصحاب العذاب إلى حين تبديل الجلود من حيث لا يشعرون ، فإن العذاب لو كان مجددا باستمرار لكان أشد في عذابهم ، فلما انتهى بهم العمر إلى الأجل المسمى انتهت المخالفة فتنتهي العقوبة فيهم إلى ذلك الحد ، وتكتنفهم الرحمة التي وسعت كل شيء ، ولا تشعر بذلك جهنم ولا وزعتها « إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً » . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 57 ] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ( 57 ) الظل الراحة - لا سيما في ظل الأشجار - والكنف ، فإنه من قعد في ظلك فهو في كنفك .